آخر المقالات

هل ثمة تقارب سعودي تركي؟

هل ثمة تقارب سعودي تركي؟
بقلم الدكتور أحمد هواس
بقلم الدكتور أحمد هواس

دون مقدمات توحي أن ثمة «صلحًا» أو محاولات لإصلاح العلاقات السعودية التركية المتوترة أو لنقل أنّها في حالة حرب غير معلنة، حرب ربما أهم ملامحها الاقتصادية مقاطعة المنتجات التركية، والفكرية في الموقف السعودي مما يسمى بالإسلام السياسي، والصدام العسكري غير المباشر كدعم حفتر في ليبيا، ودعم الفصيل الانفصالي «قسد» في شمال سوريا، جاء اتصال الملك سلمان بالرئيس اردوغان، ليصبح الخبر الأكثر انتشارًا في وسائل الإعلام ووسائل التواصل «أن ثمة تقاربًا بين البلدين» ما يعني انتهاء تلك المشكلات أو بداية حلّ لها، في سوريا وليبيا وحصار قطر، وقد يصل إلى أكثر من ذلك، التصالح مع النظام المصري الحالي، وتسوية مع الإخوان!

هامش قمة العشرين

تفسيرات أو لنقل آمالا عريضة بنيت على اتصال هاتفي «على هامش قمة العشرين» وبيان سعودي مقتضب، ولكنه ترك المجال مفتوحًا للتفسير أو التأويل على الأصح
الخلاف هو الأصل والوفاق هو النشاز؟
لعله من الأنسب أن وصف الخلاف هو الحالة الطبيعية، في العلاقات التركية السعودية لاسيما منذ الانقلاب الدموي في مصر، وتباين الموقفين في سوريا، وتصاعد ذلك بعد حصار قطر، ولعل تلك الأمور هي التي دفعت بالخلاف إلى الواجهة، وليس مقتل «الخاشقجي» لكن الحقيقة أن الخلاف كان في أساسه الديمقراطية التركية التي دفعت «بالإسلاميين» إلى الحكم،حيث حققوا ما بات يُعرف بالمعجزة التركية في سنوات قليلة! في حين عجزت دول عربية نفطية أن تصل لخمسة في المئة من النجاح التركي، في بلد كان يُصنف من أكثر البلاد فسادًا، فضلاً عن الفقر والبطالة، ويقبع في المركز 116 عالميًا ليقفز في سنوات قليلة ليكون من دول العشرين اقتصاديًا، والاقتصاد الثاني عالميًا الأكثر نموًا؛ كل هذا دون ثروات باطنية، بل الاعتماد كان على الثروة البشرية ضمن مفهوم اقتصادي «التنمية» وآخر اجتماعي «العدالة».
ثمة من يرى أن تغييرًا عامًا سيحصل في العالم ولاسيما في المنطقة بعد وصول جو بايدن للسلطة، وأن من يحتمي به حلف الثورات المضادة قد انتهى، وزالت معه الحقبة الترامبية التي كانت المثال الأسوأ للإدارات الأمريكية! وهذا كلام عاطفي لا أساس له من الصحة، فالولايات المتحدة لديها استراتيجيات واضحة وثابتة، والتغييرات طفيفة جدًا في السياسة الأمريكية تجاه تلك القضايا، فالسياسة حركة، والاستراتيجية ثابتة.
لكن يمكن أن نقول إن الأسلوب يتغير طبقًا للإدارة الحاكمة، وربما أن الوجهة قد تكون في التفرّغ لإنهاء التجربة التركية التي تضخّمت، ولعل البند الأوضح في برنامج بايدن إبّان حملته الانتخابية كان العمل على إسقاط اردوغان، وقد حدد السقوط أن يكون من خلال الديمقراطية أيضًا، وهنا لن ندخل في سبب ورغبة أمريكا بإسقاط اردوغان، فقد بات واضحًا أن أمريكا تريد تركيا دولة وظيفية فاسدة تطبق علمانية معادية للدين، ولكنها لا تريدها دولة ناهضة تشكّل أنموذجًا لمحيطها الإسلامي.

خطوات السقوط أو الحرب الناعمة

كان تفتيت المنطقة على حساب الدولة العثمانية، وقد صُنّعت كيانات على شكل دول، ووضعت عقبات كبيرة أمام نهوض تلك المنطقة، وقُيدت تركيا بقيود عديدة، وفرض عليها التغريب والعلمنة، ووضع الجيش حاميًا لتلك القيود باسم حامي العلمانية! وقد كانت الديمقراطية مقيدة بتلك العوائق ما أدى لأربعة انقلابات عسكرية، حتى وصل حزب العدالة والتنمية للحكم، أو لنقل وصل تلامذة أربكان بعد أن أجروا مراجعات شاملة على فكر ومنهج أستاذهم، وبعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف حول تلك المراجعات، ومن ثم الانقسامات الأخيرة، فإنّ النجاح الذي حققه الحزب ورئيسه اردوغان فاق كل التوقعات، وأبان عن حقيقة واضحة : أن ثمة رغبة واضحة بعودة تركيا لأن تكون دولة كبرى في محيطها ومن ثم في العالم، ولابدّ من نهضة تشمل المجتمع بالعودة لخصوصيته في مصالحة مع العلمانية أو لنقل علمانية إيجابية «كما يطلق عليها المسيري» بعد علمانية سلبية لثمانية عقود جعلت الحكم في مواجهة دين الأكثرية!
النجاح التركي، أصبح أنموذجًا تتطلع إليه الشعوب العربية، ومع ثورات الربيع العربي بدا أن الإسلاميين مرشحون للقيادة بعد الأنظمة العسكرية، وهذا يعني أنّ المنطقة ستنفتح على بعضها على غرار الاتحاد الأوروبي، وستكون التجربة التركية ملهمة للقيادات الجديدة، أمر تحقق في مصر، ونوعًا ما في ليبيا، وكذلك في تونس، بل وصل الإسلاميون لرئاسة الحكومة في المغرب، وهو البلد الذي لم تجر فيه ثورة، وضع بات واضحًا فيها الشكل المقبل، أو ما عبّر عنه أوباما في كتابه «الأرض الموعودة» أن بن زايد حذّره من خطورة الربيع العربي، وأن سقوط مبارك يعني سقوط ثمانية حكام وأن البديل سيكون الإخوان!
بديل لا ترغب به أمريكا، فهي ضد أمرين في المنطقة، الديمقراطية وإن تشدّقت بها وخوّفت بها وكلاءها، والإسلام وإن ادعت أنها ليست في حرب معه، فكيف إذا أتت الديمقراطية بالإسلاميين؟! فهي مع الاستبداد الذي يحقق مصالحها، فكان لابدّ من خداع استراتيجي ووضع لكل ثورة مكافئَا للتعامل معها، فدعمت الثورات المضادة ورعت الانقلاب في مصر، ودعشت الثورة السورية، وشيطنت ما يسمى الإسلام السياسي، ولم تكتف بهذا، بل شملت عقوباتها من تعاطف أو ساند الثورات العربية ولاسيما منها الثورة السورية فكان الانقلاب الفاشل في تركيا في زمن الإدارة الديمقراطية، ومن ثم حصار قطر في ظل حكم ترامب.

رغبة أمريكية بتغيير النظام التركي

من يتتبع العلاقة بين أمريكا وتركيا من بعد الربيع العربي، يجد أنّها لم تكن على ما يرام، بل إن الصراع بدا واضحًا منذ أحداث تقسيم 2013، وأن ثمة رغبة أمريكية بتغيير النظام في تركيا، هذا النظام الذي ألغى دور تركيا الدولة الوظيفية في حلف الناتو ونقلها إلى دولة محورية في المنطقة والعالم.
نجح قادة تركيا في تخطي مجموعة من الأزمات، ولاسيما الانقلاب ومن ثم الحرب الاقتصادية، وتدهور سعر الليرة، والضغط عليها من خلال حزب «البكي كي» الإرهابي، في سوريا والمتخفي تحت اسم «قسد» وحرب الثروات الطبيعية « الغاز» في المتوسط واضطرار الأتراك للتدخل في ليبيا عسكريًا، ومنع تقدم حفتر حتى لا تضيع حقوق الأتراك في غاز المتوسط بعد أن عقدت اتفاقية مع الحكومة الشرعية في ليبيا ردّا على تفريط السيسي بحق مصر في الغاز في ترسيم حدود بحرية مع اليونان وقبرص – نكاية بتركيا – أضرت بمصر، ومن ثم حرب أرمينيا أذربيجان، ودعم أذربيجان في استعادة ناغورني كرباخ، ما يعني انفتاح العقبة الجغرافية أمام تركيا للاتصال بعمقها القومي.
الناظر لتلك المشكلات «المفتعلة» وتخطي تركيا لها رغم قسوة الأعداء مع ما أظهرته من قوة عسكرية غير عادية، يصل إلى نتيجة مفادها : أن إنهاك تركيا اقتصاديًا، والحذر من الصدام معها عسكريًا، يوحي أن القادم سيكون العمل على إسقاط اردوغان أو لنقل التجربة التركية من الداخل، والوسيلة تكمن بتفتيت الكتلة الصلبة « العدالة والتنمية» والعمل على تهيئة شخصية ما، قد تأتي من بعيد كما حصل في تونس، من خلال «الديمقراطية» وهذا أمر يتطلب الانتقال كما ذكرنا للقوة الناعمة، ويبدو أن السياسة السعودية المرتبطة عضويًا برؤية وسياسة أمريكا سيكون لها اليد الطولى بذلك، ولاسيما بالاختراق الديني أو السياسي، ومفتاح هذا العمل «المال» ولعل ذلك يسبقه فكّ الحصار عن قطر ليشي أنّ ثمة تغييرًا جذريًا سيطرأ على السياسة السعودية نتيجة تولي بايدن، وأن مخاوف عدة ستسيطر على محور دعم الطغاة والثورات المضادة والحكم الانقلابي في مصر وهذا وهم كبير، وذلك لسببين:
الأول، أن مرحلة ترامب كانت الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية دون رتوش، وما فعله من نقل للسفارة الأمريكية للقدس وما عُرف بصفقة القرن، والصمت عن حصار قطر، وما يحصل في سوريا وليبيا، ينسجم مع صانع السياسة الأمريكية، والمشكلة الوحيدة كانت تكمن في عقلية ترامب الذي كان يتصرف كتاجر وليس كسياسي مما ترك نوعًا من الشعبوية على سياسته.
الثاني: أن الولايات المتحدة الأمريكية تضع السعودية منذ 1943 جزءًا من أمنها، ولا يمكن أن تفرط بها، لما لها من مجموعة أدوار مهمة في المنطقة، وليس أقلها الاقتصادي يتمحور في النفط، وديني في مكانة الحرمين وقد نجحت السعودية بتحويلهما لوقف سعودي بعد أن كانا وقفًا للمسلمين أجمع.
إن تقاربًا كما وصف يأتي بصورة مفاجئة بعد أيام من دعوات لمقاطعة اقتصادية سعودية للبضائع التركية، فضلاً عن شيطنة لما يسمى الإسلام السياسي، وتصنيف الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية، ودعم أعداء تركيا قسد وحفتر وأرمينيا، وفتح ممر برّي مع العراق المسيطر عليه إيرانيًا، لا يشي أنّ ثمة صلحًا بين الرياض أنقرة، ولعله لا يختلف عن القبلات بين عزة الدوري والأمير عبد الله في القمة العربية قبيل غزو العراق التي استبشر بها العرب، ولم يمض وقت طويل حتى غزت أمريكا العراق وأسقطت نظام صدام حسين!

مقالات الرأي تعبّر عن رأي كاتبها

admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *